ندوة رقمية | الاقتصاد ما بعد جائحة كورونا

28 يونيو 2020:

عقدت مؤسسة "مؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام والمعرفة" ندوتها الرقمية الرابعة حول "الاقتصاد ما بعد جائحة فيروس كورونا"، بمشاركة خبراء الاقتصاد والسياسية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، لعرض التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن هذه الجائحة.

وفي كلمة ترحيبية بالمشاركين بالندوة، أشار السيد ممدوح عباس، رئيس مجلس أمناء مؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام والمعرفة، الى ان هذه الأزمة التي نحن امامها تختلف عن الأزمة المالية في عام 2008 التي شبهها الاقتصادي العالمي د. محمد العريان أنها كانت "كالأزمة القلبية" في الاقتصاد الكلي بتداعيات عالمية لأنها تعلقت فقط بأزمة تمويل وفقدان ثقة في هذا القطاع. ولكن في عام 2020 أصبحنا أمام أزمة أعقد وأشد خطورة لأنها ليست أزمة قلبية ولكنها أزمة أصابت كل وظائف وأجهزة الجسد بأشكال وأنماط مختلفة تنذر بحالة "شلل شبه كلي"، ومن ثم فإن علاجها يحتاج لرؤية أوسع تتناسق مع حجم الكوارث الناجمة عنها.

وشبه عباس هذه الأزمة بأزمة "الكساد العظيم" التي حدثت أواخر الحقبة الثالثة من القرن الماضي، وأن الوضع أصبح ينذر بالخطر. وقال انه في مثل هذه الظروف فإننا كمؤسسة أو أفراد مسئولون- كل منا في مجاله- أمام عصف ذهني مطلوب لكيفية الخروج من هذه الأزمة الطاحنة. فالأزمة متعددة الجوانب والأوجه ونحن أمام أزمة ضربت أساسيات الاقتصاد بضربها قانون العرض والطلب. فالاقتصاد العالمي كما توضح الورقة المفاهيمية للندوة ينكمش ونسب النمو تنهار في كثير من الدول، والبيئة الاقتصادية تتلاعب بها أقدار عدم الثقة، وحوافز العمل الطبيعي تنهار أمام ضعف الطلب الناجم عن الكساد وانخفاض معدلات النمو والبطالة...فاهتزت الثقة في الاستثمار وتضاءلت القدرة على الاستهلاك وأصبحت الحكومات بين شقي رحى المعضلة الاقتصادية التقليدية للتحكم في الأدوات الكلية. فالإنفاق الحكومي أصبح ضرورة وحتمية واضحة ولكن أوجه الإنفاق باتت تهتز ومعها مقدرات الشعوب خاصة الطبقة الأقل حظًا مقارنة بغيرها. كما أصبحت كل ميزانيات الدول خاضعة للعجز الرهيب، وترتفع فاتورة الدين الخارجي والداخلي فيها ناهيك عن القطاع الصحي الذي نعرف ما يحدث له في كل الدول.

وأكد عباس على أهمية مناقشة الأمر بموضوعية وخبرة يوفرها كل السادة الحضور، والتساؤل عن أفضل الممارسات الكلية والتحفيزية التي يجب على الحكومات اتخاذها من واقع ليس فقط أفضل الممارسات لكن أفضل النظريات والتجارب خارج الفكر النمطي التقليدي.

وقال السيد عباس "إن تحميل الحكومات وحدها مسئولية الخروج من هذه الكارثة لا يمثل فقط قصر رؤي- لكنه بالنسبة لي شخصياً- يمثل انعدامها لأننا نعيش اليوم في عالم يسوده بالكامل مفهوم الاعتمادية المتبادلة، فهل فشلت المؤسسات المالية الدولية والمنظمات غير الحكومية في مواجهة الأزمة والخروج بما هو مطلوب منها لمواجهتها؟ هل تحتاج هذه المؤسسات إلى رؤية أداء مختلفة عن النمط التقليدي لدورها؟ وما هي عناصر الإصلاح التي نأمل أن نطل عليها اليوم من خلال هذه الندوة على العالم الخارجي؟ وأضاف ان محاولة معرفة عالم ما بعد الكوفيد-19 يعد أمرا صعب المنال، فلا أحد يستطيع أن يجزم بالشكل أو المضمون. لكننا – حسب رايه- لدينا من الإرهاصات التي نعرفها جميعاً والتي يمكن أن تكون وسيلة انطلاق نبدأ منها لأن الطريق طويل ومحفوف بالمتغيرات والتي ستحتاج منا أن نغير بوصلتنا مع تقدمنا في مواجهة هذه الأزمة. 

وأشار عباس إلى أن ندوة اليوم هدفها الوصول إلى مقترحات عامة ورؤى جزئية أو كلية نتفق عليها لتكون أساساً لمسيرتنا ومصباحا يمنحنا وميض ضوء في دربنا المظلم المخيف. لكن الخطوة الأولى هي البداية، ونحن في مؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام والمعرفة نعيد التأكيد اليوم على أهمية دور المؤسسات غير الحكومية في إنارة الطريق الطويل لأن المستقبل لنا كلنا ولكل دوره ورؤياه.

هذا الموضوع الذي نحن بصدده، كما قال عباس" يعد على رأس الأولويات، لكنه يحتاج إلى المزيد من البحث والجهد من الجميع حيث ان الموضوع محل النقاش يعد أزمة عامة، خاصة أن هناك الكثير من الأصوات ووجهات النظر التي طرحت في كافة أنحاء العالم.

وقالت السفيرة مشيرة خطاب، الرئيس التنفيذي لمؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام والمعرفة، ان الاشهر الستة الماضية منذ اندلاع فيروس كورونا المستجد كانت غامضه على كل المستويات. فأعداد الإصابات والوفيات مستمرة في الارتفاع بسرعة مخيفة، حيث ارتفع عدد الإصابات الي ٩،٧١٤،٨٠٩ وهو ما يقارب العشرة مليون بزيادة قدرها ١٦٪، وارتفع عدد الوفيات الي ٤٩١،٨٥٦ بزيادة قدرها ١٠٪.

وأشارت الى ان تداعيات جائحة كورونا خطيرة وتتخطى سرعة انتشار الفيروس خاصة محاولة احتواء هذا المرض المستعصي على الشرح، الذي دفع مختلف دول العالم الى اتباع تدابير احترازية غير مسبوقة لحماية مواطنيها من الإصابة بالمرض، مثل الاغلاق الكامل الذي فرضته أكثر من ٩٠ دولة والذي نجم عنه كساد عميق خيم على العالم بأسره. إنه كساد يشبه، إلا انه أعنف كثيراً، من كساد ٢٠٠٨-٢٠٠٩ الذي هز دعائم عجلة الاقتصاد العالمي.

وأضافت خطاب ان الجائحة غيرت قواعد كلاسيكية ومعايير مرجعية، وايضاً الأولويات وأنماط الاستهلاك لدي الافراد تغييراً عنيفاً، مما سيتبعه تغيير نمط المنتجين، وتغير نمط ريادة الاعمال..."إننا نشهد ولادة نظام عالمي اقتصادي جديد، فيه متغيرات كثيرة، وحتى الآن لا تبدو له ثوابت. إن الجائحة كشفت هشاشة النظم الصحية حتى في أكثر دول العالم تقدماً، وكشفت هشاشة النظام الاقتصادي العالمي وخطورة الفقر والتفاوتات حتى في أكثر الاقتصاديات تقدما.

وأشارت خطاب، الى أن الحوار حول تداعيات فيروس كورونا، هو الرابع الذي تنظمه مؤسسة بطرس غالي بعد ان تناول الأول التداعيات المختلفة، وانصب الثاني علي السلام الاسري والثالث حول تداعيات الجائحة على اللاجئين وطالبي اللجوء والنازحين. 

"إن الحوار اليوم يستشرف النظام الاقتصادي ما بعد الجائحة، كما يتناول الوضع العالمي والإقليمي والوطني، وايضاً ماهية التدابير والسياسات التي يتعين اتخاذها فوراً لإنقاذ الانسان وضمان حقوقه كاملة دون أي تمييز. وسيتناول الاقتصاديات الكلية والاقتصاديات الجزئية خاصة الصناعات الصغيرة والمتوسطة والشركات البازغة."

وأكدت خطاب ان الهدف من الحوار هو بناء نظام اقتصادي أكثر عدلاً، نظام يضيق الفجوة بين الطبقات، يقلل معدلات الفقر، الفقر بمعناه متعدد الجوانب الذي لا يقتصر على قلة الدخل المالي ولكن فقر الخدمات التعليمية وفقر الخدمات الصحية وفقر برامج الحماية الاجتماعية..."إن قوة أي نظام للحماية الاجتماعية ليس في عدد من يتلقون الدعم لكن هي في تزايد اعداد من يخرجون عن قائمة هذه المساعدات وكذلك الحديث عن كيفية توجيه الحزم التحفيزية التي تقدمها الحكومات بما يحقق أعلى عائد على الاستثمار." 

والسؤال الأكثر أهمية الذي وجهته خطاب هو "كيف نحتسب العائد على الاستثمار؟ هل هو عائد نقدي ام عائد تنموي؟" والهدف من السؤال هو العائد على الاستثمار في التنمية البشرية. وأشارت الى اننا نشهد مولد عالم جديد تصبح فيه كل العوامل متغيرة ولا توجد عوامل ثابتة. إن جائحة كورونا ليست فقط أكبر صدمة يتعرض لها الاقتصاد العالمي على مر العصور، بل هي كارثة شاملة تمس معطيات واساسيات حياتنا. إن الاقتصاديات الكلية ستسقط العديد من المعايير المرجعية، كما ان قواعد مثل عجز الموازنة الذي لا يجب ان يتجاوز ٣٪ من الناتج القومي الإجمالي، ومعدل الديون لا يتجاوز ٦٠٪ من الناتج القومي الإجمالي، كل ذلك سيتغير لان غالبية الدول ستتجاوز هذه النسب.

وقالت خطاب أن النص على ان احتياطي النقد الأجنبي يجب ان يغطي ٦ أشهر من الواردات، قد عفا عليه الزمن. وبناءً عليه فإن تراتيب او تداعيات الاقتصاديات الكلية في اعقاب كورونا ستصبح غير مسبوقة، على كافة المستويات، الامر الذي يتطلب وضع نسب جديدة تلائم الحالة المزرية للاقتصاد الكلي العالمي. واشارت خطاب الى انه رغم ارتفاع نبرة الشعبوية (الولايات المتحدة وبريطانيا)، إلا ان هذه الأنظمة فشلت في احتواء الكارثة محلياً ودولياً وهو ما طرح العديد من التساؤلات في هذا الشأن. وعلى مستوى الشركات، سوف نتدارس الاتجاهات الجديدة بسرعة اعتماد قنوات "الرقمنة". حيث تشير دراسة ماكينزي وشركاه ان ٨٦٪ من زبائن المرة الاولى ينوون استخدام القنوات الرقمية حتى بعد انحسار الجائحة، وأن نفس الدراسة توضح ان متخذي القرارات في الشركات يرون انه في الأسابيع القادمة ستصبح قنوات الرقمنة أكثر أهمية من القنوات التقليدية.

وتحدثت الوزيرة هالة السعيد، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، على أهمية دور الدولة في التصدي للتداعيات الاقتصادية لهذه الجائحة، حيث تصدرت الحكومات المشهد في انحاء العالم باتخاذها الاجراءات الاحترازية للحفاظ علي حياة مواطنيها وكذلك تقديم حزم تحفيزية مالية لمواجهة حالة إغلاق الأنشطة الاقتصادية.

وأشارت السعيد الى ان كل مناحي العمل الاقتصادي قد تأثرت بسبب هذه الجائحة، حيث تأثر العرض والطلب، كما تأثر قطاعي السياحة والطيران، وسلاسل التوريد، وكل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة الى عمليات التوظيف والسيولة. فكل ما يؤثر على صحة الإنسان يؤثر حتماً على النشاط الاقتصادي والصناعة.

وقالت السعيد انه على الرغم من ان بعض القطاعات أصبح لها ميزة اقتصادية خلال فترة الاغلاق مثل القطاع الزراعي والدوائي حيث زادت الصادرات الزراعية بنحو 34% خلال الازمة، فإن فترة الإغلاق أثرت بشدة على قطاع السياحة، فقد تأثرت العمالة وانخفض حجمها وبالتالي زادت معدلات البطالة. كما أشارت الوزيرة الى ان الحكومة المصرية قررت اتخاذ عدد من الاجراءات الاستباقية سواء في جانب السياسات النقدية او السياسات المالية التحفيزية وذلك بهدف حماية الفئات الاكثر تضرراً لتخطي الأزمة. كان من بين هذه الإجراءات تأجيل كل المدفوعات السيادية للأفراد والشركات، وتخفيض سعر الفائدة، كذلك توفير السيولة والائتمان خاصه لشركات السياحة والطيران والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

"وقامت الحكومة المصرية بتجميع بيانات نحو 4,4 مليون عامل غير منتظم وصرف مساندة تعويضية لهم لثلاثة أشهر. كذلك قامت الدولة بزيادة المعاشات بنسبه 14%، حيث تم اتخاذ كل هذه الإجراءات في إطار الحزمة التي خصصتها الدولة وهي 100 مليار جنيه او ما يمثل نحو 2% من اجمالي الناتج المحلي لمصر وكان هناك ايضاً تأجيل في كل المدفوعات الخاصة بقطاع السياحة، وتم ايضاً دفع قدر من المساندة التصديرية لرفع الأعباء بالنسبة لعدد كبير من المصدرين، وبصفة خاصة الصادرات الزراعية."

وأضافت السعيد ان مصر استطاعت ان تحقق معدلات نمو جيدة في الثلاث ارباع الاولى من العام المالي 2019- 2020 وهي 5,6% و8,5% و5%، لذلك فإن الاقتصاد المصري والذي كان يستهدف في الربع الاخير معدل نمو يصل الي 1،8%، تراجع معدل النمو فيه بداية من مارس هذا العام بعنف ليصل الي -1% وهو معدل شهدته معظم دول العالم وفي بعض الدول كان التراجع أكثر من ذلك. اما معدل النمو في مصر لهذا العام وهو محصلة النمو الإيجابي، فسيصل الي 3,7%، حيث كانت الخطة التي تبنتها الحكومة المصرية ذات طبيعة ديناميكية، وقد تمت مراجعتها بشكل دائم واعادة ترتيب اولوياتها، وبالتالي اتخاذ ما يلزم من القرارات فيما تقدمه الدولة بهدف العودة التدريجية للأنشطة الاقتصادية في الوقت الذي تقوم فيه الحكومة باتخاذ التدابير اللازمة لحماية المواطن صحيا.

كما اكدت الوزيرة ان ذلك يأتي في إطار اهداف التنمية المستدامة والتي هي جزء من استراتيجيه مصر حتى 2023. ففي مصر كما في العديد من الدول تعاني نسبة من مواطنيها من الفقر متعدد الابعاد، فهناك الفقر في الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها وهو ما دفع الحكومة لتقديم مبادرة حياة كريمة وتوطينها على مستوى محافظات الجمهورية وذلك بالتعاون مع شركائنا الدوليين والاقليميين. وفي هذا الإطار فإن الدولة تعمل على توطين اهداف التنمية المستدامة وتركز على الفجوات التنموية في المحافظات. وبالتعاون مع وزارتي التنمية المحلية والتضامن، فإننا ننظر الى الخدمات التي نقدمها للمواطن مثل المدارس والوحدات الصحية ونقاط الإسعاف، وفي نفس الوقت نحاول توطين الصناعة والزراعة في بعض المحافظات من اجل ان نضمن للجميع حياه كريمة.

وتحدث الدكتور محمود محي الدين، المدير التنفيذي وممثل مجموعة الدول العربية بصندوق النقد الدولي، عن رؤيته لحالة الاقتصاد العالمي ما بعد جائحة كورونا، وعن إمكانية اصلاح الاقتصاد بتنفيذ اهداف التنمية المستدامة كحزمة كاملة، وأشار الى ان التنمية الاجتماعية والتنمية البشرية كلها اهداف راسخة في التنمية المستدامة، وانه يجب على المجتمع الدولي الاستثمار في القطاع الصحي الذي كان يعاني من الإهمال لفترات طويلة ويجب علينا في مصر ان نواكب هذا التطور الذي يحدث في المجال الطبي على المستوى العالمي.

وأكد محى الدين على اهمية العمل على تحسين المناخ، فهناك دول مثل كندا لا تسمح بإعادة جدولة ديون الشركات الا بعد تصريح مباشر بالإفصاح بتأثير نشاط الشركة على المناخ، فإذا كان النشاط ضار بالبيئة فلن تكون تلك الشركات من أولويات الحكومات بعكس المساهمين في تحسين المناخ والبيئة. وأشار الى ان الهدف الأول من اهداف التنمية المستدامة هو محاربة الفقر، وأن هذا الامر لا يتحمل الانتظار لعام 2030، وبالتالي لابد من الاهتمام بعدالة توزيع الدخل والثروة طبقاً للهدف العاشر من اهداف التنمية المستدامة.

وأضاف محي الدين الي ان الاقتصاد ما بعد الجائحة هو اقتصاد خوف. فحسب كل المؤشرات دخلنا بالفعل في حالة ركود غير مسبوق، حيث قامت كل المؤسسات الدولية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمات التعاون الاقتصادي بمراجعة ارقامها، وأفضلهم كان صندوق النقد الدولي حيث توقع ان تكون نسبة الانكماش 4.9%، أما تقديرات البنك الدولي فكانت الاسوأ بنسبة 5.2%. وأشار الدكتور محي الدين الى الحروف التي تستخدمها المؤسسات في شكل التعافي، وان اخطرهم كان حرف k الذي نشر في جريدة Financial Times، الذي توضح نقطة ارتكاز هذا الحرف ان بها اتجاه صاعد وهو ما يعني ان بعض الناس سيستطيعون الصعود مجدداً بعد هذه الازمة، كما ان هناك اتجاه هابط، مما يعني ان هناك آخرون سيكون استهلاكهم ومصدر دخلهم في حالة انحدار وتدهور.

وفي ختام كلمته أكد على أهمية الحاجة للاستثمار في البشر والتعليم والرعاية الصحية ونظم التضامن الاجتماعي، وكذلك الاهتمام بالبنية الأساسية بما في ذلك التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، والاستثمار في قوة المجتمع وقوة الاقتصاد.

وقالت الدكتورة رولا داشتي، الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، أن ازمة فيروس كورونا هي ازمة انسانية وليست مالية وصحية فقط. حيث قدمت الحكومات نحو 6,9 تريليون دولار في شكل حوافز مالية لمواجهة الازمة وهو ما يشكل نحو 11% من الناتج الاجمالي للعالم. اما الدول العربية فقدمت نحو 100 مليار دولار لمواجهة الازمة وهو ما يشكل 4% فقط من الناتج المحلي الاجمالي للدول العربية. ففي هذه المنطقة توجد الكثير من الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل وهو ما يعكس ان الدول العربية انفاقها اقل بكثير حتى من المتوسط العالمي وبالتالي فان هذه الدول ليس لديها الامكانيات لمواجهة هذه الجائحة بالشكل الأكمل.

واشارت داشتي الى أنه لابد من توفير مساحة مالية أكبر لهذه الدول حتى تستطيع مواجهة تداعيات هذه الجائحة، كما أكدت على أهمية تخفيف اعباء القروض على هذه الدول او الغائها وتقديم مساعدات وقروض ميسره لهذه الحكومات. لكن على الحكومات ايضاً أن تعمل من جانبها على ما أسمته داشتي بالإنفاق الذكي وترتيب أولويات الانفاق الاجتماعي حتى تتعزز الشفافية. وقالت إن جائحة كورونا، التي أدت الى سياسات الاغلاق اعطت الحكومات الفرصة لإعادة النظر في النهج التنموي وفي منهجيه اهداف التنمية والمسئولية التشاركية والتضامنية لمختلف القطاعات بين القطاع الحكومي وبين طبقات الأغنياء من اجل الحد من الفقر بكافة اشكاله.

وأكدت الأمين العام للاسكوا أن المسئولية التشاركية بين الحكومة والقطاع الخاص بما في ذلك إنشاء صندوق بين الحكومة والاثرياء أمر هام من اجل الاستثمار في بقاء الانسان وأن الفجوة في عدم عدالة التوزيع في الدخل يمكن ان نجد لها حلولاً تضامنية من خلال صندوق يدعى "الصندوق التضامني"، الذي يضم أكثر من 10% من اغنياء العالم العربي، بحيث يتم توجيه هذا الصندوق للفقراء في العالم العربي بمنظور الفقر متعدد الابعاد، خاصة في قطاع المشروعات متناهية الصغر.

كما أكدت على اهمية اعادة النظر في اولويات القطاع الخاص فعليهم الآن الحد من تسريح العمال للوصول الى أقصى حد من الربح، وكذلك بإمكان الكثير منهم ارجاء تسديد الإيجارات، وعلى البنوك ان تقوم بتخفيف اعباء الدين للمشروعات الصغيرة، وذلك لتعزيز الاستدامة المجتمعية.

وأضافت داشتى أن هذه الازمة الإنسانية تتطلب تضافر مجتمعي غير مسبوق فهي ازمة عامة تستدعى جهود الجميع. فالكل مسئول عن تحقيق اهداف التنمية المستدامة حتى يمكننا الخروج من هذه الازمة بشكل أفضل وأسرع. واشارت الي ازمة المرأة في هذا السياق خاصة عندما قالت ان هناك نحو 14 مليون سيدة على مستوى العالم العربي انضموا الى صفوف الفقراء، حيث يتواجد نحو 6 الي 7 مليون وظيفة ستخسرها الطبقة المتوسطة. لذلك، لابد أن تؤخذ المرأة في الاعتبار وتكون على قمة اولويات الحكومات والقطاع الخاص.

وتحدث السير داني الكساندر، نائب رئيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، عن أهمية الدور الذي تقوم به المؤسسات المالية سواء الإقليمية او الدولية، لمواجهة هذه الجائحة التي عصفت بالعالم اجمع. وأشار الى أن آسيا من القارات الأوسع في العالم، لذلك فإن نموذج التداعيات الاقتصادية الاحادية أصبح متكرراً فيها. فقد تأثر العمل في مجال السياحة والنقل الجوي وسلاسل التجارة وهو ما أثر سلباً على الفقراء في كل انحاء آسيا، خاصة الدول التي لا يوجد بها نظام صحي قوي للتعامل مع هذه الكارثة الصحية وتداعياتها الاقتصادية على البشر.

وأشار كذلك الى أن البنك الآسيوي للاستثمار، والذي تعد مصر من الاعضاء المؤسسين فيه، قام بإنشاء صندوق للطوارئ ليساعد العديد من الدول الآسيوية والدول الأعضاء في البنك على مواجهة ازمة فيروس كورونا، وذلك بالتعاون مع العديد من المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، حيث قام البنك من خلال هذا الصندوق بتقديم الدعم للنظم الصحية في عدد من الدول الأسيوية، كان من بينها الهند وبنجلاديش. كما قام البنك بدعم العديد من الموازنات الحكومية التي خسرت الكثير من عوائد الضرائب بسبب اغلاق الأنشطة الاقتصادية طوال هذه الازمة.

وقال السير الكساندر ان البنك قام ايضاً بتقديم مساعدات مالية لأعضاء البنك لدعم القطاعين العام والخاص، وانه على الرغم من حداثة هذا البنك الذي أنشأ منذ عامين فقط غير انه شارك في العديد من المشاريع الخاصة بالبنية التحتية والتي تدعم حركة التجارة والبضائع وكذلك اهداف التنمية خاصة ما يتعلق منها بتغيرات المناخ وتأثيره السلبي على الانسان. وأشار ايضا الى ان البنك سيعمل في الفترة المقبلة من اجل دعم هذه المحاولات لتشمل كل القطاعات الاقتصادية وكذلك معظم السكان. كذلك أشار الى ان هذه المؤسسة المالية الإقليمية تساهم في العديد من المشاريع التي تدعم تمويل رأس مال القطاع الخاص والحكومي.

وفي ختام كلمته، دعا السير الكساندر المؤسسات المالية العالمية والإقليمية الى اتخاذ مواقف مرنة تجاه دول العالم، خاصة الفقيرة ومتوسطة الدخل، حتى تتمكن من ايجاد حلول تنموية دائمة لتداعيات ازمة كورونا.

وتحدث الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، عن دراسة أجرتها الجامعة حول أزمة فيروس كورونا، حيث أكدت الدراسة على اهمية دور الدولة في مواجهة هذه الجائحة. واشارت الدراسة التي قام بها خبراء كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالجامعة، الى أهمية دور الاطقم الطبية التي كانت في الصفوف الأولى للمواجهة وكذلك المستشفيات الجامعية.

في هذا السياق، قال د. الخشت ان جامعة القاهرة قامت بتجهيز 400 سرير لعزل مصابي فيروس كورونا في مستشفى القصر العيني الفرنساوي. كذلك اشار الى الدور البحثي الذي قامت به الجامعة والذي مثل نحو ربع انتاج مصر العلمي لمواجهة هذه الجائحة، حيث تم تشكيل خمسة فرق بحثيه للكشف عن الشفرة الوراثية لهذا الفيروس. وأضاف ان قطاع التعليم تأثر بحالة الاغلاق التي تمت لوقف تسارع تفشي الفيروس، مؤكداً ان الجامعة كانت من اول من اعد التعليم المدمج، حيث كانت جامعه القاهرة تستعد منذ 2017 لتكون من الجيل الثالث للجامعات الذكية واول من ادخل التعليم المدمج بديلاً عن التعليم المفتوح.

وفي ختام كلمته، أشار الى ان الدراسة التي قامت بها جامعة القاهرة اوصت بعدم التسرع في تخفيف التدابير الاحترازية والاستمرار فيها واقامة نظام علاجي يقوم على الوعي الصحي البديل مثل العزل المنزلي للحالات البسيطة والمتوسطة. كذلك اوصت الدراسة بأهمية زيادة الانفاق على العنصر البشري في الاطقم الطبية خاصة الاطباء والممرضين والفنيين لأنهم في أوائل صفوف هذه المواجه.

وتحدث السيد هشام عز العرب، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب بالبنك التجاري الدولي، عن العديد من المقترحات والادوات المالية التي يمكن من خلالها العمل في فترة التعافي من فيروس كورونا. واشار الى اهمية المعرفة الجيدة بأماكن استثمار اموالنا لنحصل من خلالها على اعلى عائد ممكن، ليس فقط مادياً لكن ايضاً مجتمعياً. وفي هذا الشأن أكد على ضرورة الاستثمار في التعليم والصحة، وهو ما سيتيح أكثر من اي اجراء اخر اعطاء فرص متساوية للجميع للصعود والارتقاء.

وقال إن التحديات التي تواجه الحكومات في هذه الفترة كبيرة جداً وهو ما يجعله يشفق بالفعل علي صاحب القرار، لأنه في الوقت الذي اوقفت فيه الحكومة تسديد الديون خلال فترة انتشار الوباء، كان يتمنى ان يكون ذلك للقطاعات الاكثر تضرراً وليس لكل القطاعات. فقطاع السياحة من أكثر المتضررين في حين ان قطاعات مثل البتروكيماويات والأغذية والأدوية، تستطيع دفع القروض التي اخذتها من البنوك دون ان تتحمل فوائد مرتفعة.

وأشار عز العرب الى ان هناك قلق شديد من تغير اسعار العملات، حيث كان له تأثير كبير خاصة من ناحية تأثيره على حالة التضخم كما حدث في روسيا وتركيا والبرازيل، وأن هذه التقلبات جعلت صاحب القرار في مازق بين محاولته للتخفيف من الآثار المالية للجائحة على المقترضين، رغم وجود تحديات للنظام المالي، والضغوط على وزارة المالية ومتطلبات زيادة التمويل. وأضاف ان كل المبادرات التي اتخذتها الحكومة كانت ضخمة جداً، حيث وفرت مبلغ شهري للعمالة الغير منتظمة وتأجيل القروض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، كان ذلك محاولة من الحكومة لتخفيف الآثار السلبية على الناس بشكل عام.

وأكد المسئول البنكي ان هناك العديد من الخطوات التي تم اتخاذها بسبب هذه الجائحة والتي نرجو عدم التراجع عنها مثل تحول المجتمع الى العمل بدون نقود أي استخدام الكروت الائتمانية. وكذلك أكدت الازمة على قدرة الاشخاص الوصول الى الخدمات المالية وهو نوع آخر من ديمقراطية الخدمات التي يجب ان تتوفر لكل أفراد المجتمع، بغض النظر عن أماكن سكنهم وتواجدهم. وأضاف الآن أصبح من حق اي شخص في أكثر الاماكن بعداً ان يقوم بفتح حساباً بنكياً وتكون لديه محفظة مالية من خلال الهواتف المحمولة الصغيرة وليس من خلال الهواتف الذكية فقط. فالقدرة على الوصول الى الخدمات المالية يعني بالضرورة خفض تكلفه هذه الخدمات.

وأوصى بأن كل دول افريقيا عليها المحاولة بقدر المستطاع خفض تكلفة التحويلات للعاملين بالخارج، حيث ساعد التحول الرقمي الكبير في تحقيق ذلك بالفعل.

وأشار عز العرب الي ان الخدمات المالية لا تعني فقط آليات التحويل، بل إن الخدمات المالية الشمولية تعني ايضاً الاقراض والتمويل، وقد حدث هذا بالفعل بفضل التكلفة التي تصل الي صفر عبر التكنولوجيا الرقمية. كذلك أشار الى ان ما حدث خلال هذه الفترة من فرض سياسات الاغلاق وتوجه الكثيرين، خاصة المرأة، للعمل من المنزل سيفتح سوق العمل امام الكثيرين للانضمام واستيعاب الكثير من الكفاءات من خلال هذه المنظومة. 

وفي ختام كلمته دعا السيد عز العرب الى ضرورة ايجاد نموذج بديل للشركات التي اصيبت بخسائر كبيرة خلال فترة الاغلاق ولديها قروض للبنوك. وقال انه لابد من وجود تشريعات سريعة لا تمر عبر الاجراءات القضائية تسمح للبنوك بأن تكون شريكاً مؤقتاً لأصحاب هذه المشروعات حتى لا يفقدوا القدرة على تسديد الديون، بحيث تسمح لصاحب العمل، في حال تسديده للقرض، بأن يصبح مالكاً لمشروعه.

وأشاد السفير علاء يوسف، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف، بالدور الذي قامت به مصر في اتخاذ الإجراءات الاستباقية والاحترازية لمواجهة هذه الجائحة ومساعدة الطبقات الأكثر احتياجاً وايضاً تأجيل المدفوعات. وتساءل عن كيفية تشجيع شركات الدواء العالمية لتقوم بزيادة معدلات الإنتاج بداخل مصر، وبذلك تكون مصر هي المركز الإقليمي للإنتاج في القارة الافريقية والمنطقة العربية. وتساءل ايضا عن كيفية زيادة مساهمة مصر في سلاسل التوريد العالمية، خاصة وان مصر هي سادس أكبر منتج للخضروات والفاكهة على مستوى العالم.

وتحدث الدكتور حسام بدراوي، رئيس مؤسسة بدراوي للتعليم، عن أثر جائحة كورونا على التعليم، وقال ان هذه الجائحة سوف تعمل على تغيير العملية التعليمية بشكل إيجابي، وأن مصر لديها فرصة كبيره لتجديد وتعزيز رؤيتها في تطوير هذا القطاع الهام. وأشار الى ان التعليم عبر الانترنت مسألة هامةً انتشرت بكثرة نتيجة فرض سياسات الاغلاق، لذلك فإن الدولة المصرية عليها ان تغتنم هذه الفرصة وتلجأ الى الاستثمار في تطوير بنية تكنولوجيا المعلومات، لأننا ما زلنا بحاجة إلى التوصل إلى مزيج بين التعليم التقليدي والتعليم عبر الإنترنت لتعزيز مستقبل التعليم في مصر.

وتحدث الدكتور مراد وهبه، أستاذ الفلسفة وعضو الهيئة الاستشارية لمؤسسة كيميت بطرس غالي، عن رؤيته المستقبلية للاقتصاد ما بعد جائحة كورونا، مشيرا الى ان الاقتصاد اليوم، نتيجة لتطورات مقصودة، أصبح اقتصاداً طفيلياً، ويقصد بالطفيلي هنا المتاجرة في الأسلحة والمخدرات.

وقال إننا اليوم نواجه جرثومة كورونا، وعلينا البحث عن الوسيلة التي تم تفعيل هذه الجرثومة بها، وأشار الي انها كانت موجودة من قبل ولكنها كانت بحاجة الى تفعيل، ولابد ايضاً من البحث عن البيئة التي نشأت فيها حين فعلت تحركات جرثومة كورونا. وأضاف ان هذا النوع من الوباء لم نعهده من قبل، وهو نتيجة تلاحم إرهاب عالمي يقتل بالملايين. واكد الدكتور وهبه انه لمحاربة هذا الوباء، يجب ان نقوم بالفصل وتحديد فرق العلاقة بين الاقتصاد غير الرسمي (الاقتصاد الطفيلي) وبين الاقتصاد الرسمي (الاقتصاد المستقيم الذي يمكن ان تتبناه الدولة، وايضاً وضع أفكار وايدولوجيات عن كيفية التخلص من التلاحم بين الأصول الدينية والرأسمالية الطفيلية.

ووجه الوزير منير فخري عبد النور، وزير التجارة والصناعة الأسبق وعضو مجلس أمناء مؤسسة كيميت بطرس غالي، سؤالاً حول النظام النقدي العالمي بعد كوفيد-19، لجميع الدول سواء كانت الضعيفة او القوية، النامية او المتقدمة، تشهد عجز كبير في ميزانياتها، وترتب على هذا العجز ازدياد كبير في مديونياتها. وتساءل "ما هي الحلول للدول التي تطالب بإعفاء سداد المديونية؟ هل نحن مقبلين على نظام نقدي جديد مختلف عن النظام النقدي القائم حالياً؟"

كما تساءلت د. نهى بكر، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الامريكية بالقاهرة، عن مدى قدرة المؤسسات المالية الدولية المانحة على الاستمرار في دعم الدول المتضررة من الوباء في حالة السيناريو الأسواء من موجة ثانية ممتدة، وفي حال تناقص قدرات المؤسسات؟

 

English version